Feeds:
Posts
Comments

لكي لا تخلق المقاطعة قطيعة مع الذات ومع الآخرين 2

أشكر الأستاذين حيدر عيد وسامية البطمة على الجهد الكبير الذي بذلاه في الرد على مقالتي المنشورة في جريدة الأيام في تاريخ 19/2/2013، التي عبرت فيها عن قلقي تجاه بعض عواقب حركة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل.  أشكرهما أيضاً على تصحيح خطئي في تسمية حركة المقاطعة.

من الواضح أني أثرت من الأمور أكثر بكثير مما كنت أنوي إثارته، وهذه نتيجة محبذة، إذ أعتقد أن المواضيع المطروحة مهمة ومصيرية، ولا بد من مناقشتها داخل المجتمع الفلسطيني وخارجه.  وأرجو أن يستمر هذا الحوار في المستقبل بالشكل الصحي والديمقراطي المرغوب.

مع ذلك، أرجو الإشارة إلى النقاط التالية في رد الأستاذين الموقرين: أولاً، الادّعاء أنهما مُنعا من نشر ردهما في وسائل الإعلام المحلية.  إذا كانا يقصدان جريدة الأيام -وهو المكان الطبيعي لمحاولة نشر ردهما على مقالتي التي نشرت أصلاً فيها- فلا صحة أبداً في ذلك الادعاء.  وقد أكد لي ذلك خطياً كل من رئيس تحرير الصحيفة السيد أكرم هنية، ومحررها الثقافي الشاعر غسان زقطان، حيث أن الأستاذين عيد وبطمة لم يقوما بتقديم ردهما للنشر أصلاً لتلك الجريدة!

أما الادّعاء الأخطر الذي يتسم بالإيحاءات الجارحة والمسيئة لي شخصياً، فيتعلق باشتراكي في مهرجان حيفا السينمائي في العام 2004.  يدّعي المقال أني شاركت في المهرجان “رغم مناشداتنا بعدم المشاركة”.  أعذروني! فأنا لم أكن أعرف من أنتما آنذاك، ولم أكن سمعت بحملة المقاطعة أصلاً التي كانت على ما أعلم في طور الإنشاء.  فالمناشدة الوحيدة التي تسلمتها في حينه، كانت من الزميلة المخرجة آن ماري جاسر.  وقد قمت بالرد عليها شارحاً موقفي وموقف زميلي المخرج الفلسطيني الكبير الأستاذ ميشيل خليفي.  يدّعي المقال أيضاً، أن فيلمي كان الفيلم الفلسطيني الوحيد “تقريباً” الذي قدم في المهرجان رغم مقاطعة باقي الزملاء.  هذا أيضاً ليس صحيحاً، فقد شارك في المهرجان المخرج صبحي الزبيدي، إضافة إلى ميشيل خليفي الذي قام بعرض فيلمه “طريق 181” (الذي اشترك بإخراجه المخرج الإسرائيلي المعادي للصهيونية إيال سيفان)، وهو ربما أجرأ وأقوى ما تم إنتاجه عن تقسيم فلسطين، وجرائم النكبة، في تاريخ السينما الوثائقية الحديثة.

إضافة إلى ذلك، أود هنا توضيح الأسباب التي دفعتني للمشاركة في المهرجان، لكن قبل أن أتطرق إلى هذه الأسباب، أود إعادة تأكيد مبدأ أساسي بالنسبة لي، لا أعتقد أن الأستاذين بطمة وعيد فهماه بالشكل الواضح من مقالتي الأولى؛ ألا وهو أن الثقافة لا يجوز أن تكون عملية قسرية جماعية غير ديمقراطية، بل إن دور المثقف والمثقفة هو الشك والبحث ومحاولة عقلنة اللاعقلاني، وشق سبل التحاور من أجل الحقيقة والحرية والعدالة والسلام.  ومن دون الحرية الضرورية لتمكينه/ا من ممارسة ذلك الدور، لا توجد ثقافة ولا مثقفون، بل فقط ديماجوجيون وشعراء بلاط لا غير.  لا يتناقض هذا الرأي مع الالتزام العميق الذي مارسته طوال عمري المهني، وما زلت، من أجل دعم المجتمع والثقافة والفرد الفلسطيني، إن كان عبر الأعمال السينمائية التي أخرجتها أو أنتجتها، أو عبر مؤسسة عبد المحسن القطان التي لا حاجة، على ما أعتقد، للدفاع عن سمعتها وتاريخها الناصعين.

أود التذكير أيضاً في هذا السياق، أني قبيل مهرجان حيفا، كنت قد مُنعت من دخول البلاد لمدة سنة ونصف السنة، وقد تم منعي من جديد في العام 2006 لمدة تزيد على الستة أشهر، قبل تراجع السلطات الإسرائيلية إثر حملة قضائية طويلة.  والأهم من ذلك أني كنت -وما زلت- من مؤيدي مشروع دولة المواطنة الواحدة التي يعيش فيها الجميع بالمساواة والحرية، بغض النظر عن قوميتهم أو ملتهم.  وقد أتت مشاركتي في هذا السياق، ليس تملقاً أو رغبة في “التطبيع”، بل بدافع محاولة كسر جدار الصمت الذي كانت تشيده القوى الصهيونية لعزل الفلسطينيين (وتشاطرهم في ذلك بعض القوى الفلسطينية عبر التقوقع النرجسي، وتعنيف النضال بأساليب عشوائية ما كانت تخدم سوى العدو).  ومحاولة كسر الحائط، كانت تعني -بالنسبة لي- مشاركة ولو متواضعة في إيقاف المأساة الإنسانية التي كان يعيشها شعبي عبر محاولة لاستدراج جزء من الجمهور الإسرائيلي إلى مواقف مناهضة لما كانت تقوم به حكومتهم وجيشهم من جرائم.  هذا كان دافعي الأساس.  وقد اعترفت في مقالتي أني ندمت على سذاجتي فيما بعد، إذ أننا ما لبثنا أن وصلنا قاعة المهرجان، حتى وجدنا مظاهرة صاخبة من المستوطنين تحتج على وجودنا.  أما الجمهور في الداخل، فكان في الغالب مؤلفاً من المؤازرين أو الأصدقاء الفلسطينيين، فسرعان ما تبين لنا أن الهدف الذي أتينا من أجله كان أصعب بكثير مما اعتقدناه.

أما أن يدعي الأستاذان أن حضورنا أتاح لوزيرة الثقافة -آنذاك- ليمور ليفنات أن تشمت بالمخرج كن لوتش، وتتهمه أنه يريد أن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين بحكم مقاطعته المهرجان، فلا أعرف إذا كان صحيحاً في الواقع، ولا علاقة لي به أصلاً! وكان بإمكان الوزيرة، وبسهولة، أن تشير إلى الزملاء الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية الذين يفيدون من المساعدات المالية التي تقدمها الحكومة للسينمائيين العرب كمثال على التعايش والديمقراطية الإسرائيلية، فهل هم مسؤولون عن ادعاءاتها؟ وهل نلومهم على ممارسة حقوقهم؟!

من جهة أخرى، هناك مشكلة إضافية من نوع فكري ومنهجي تعكس عدم قدرة الأستاذين أو استعدادهما على فصل الحالة الفردية أو تحليلها إلا بالإشارة إلى عموميات رنانة تضلل القرّاء في متاهات هتافية وعاطفية، ولا تساعدهم على التحليل والتوضيح.  فإذا قرأنا هذه المقالة الطويلة، نجد أنها تشير إلى مواقف لم أدافع عنها أصلاً! فأنا أكدت في بداية مقالتي أني أؤيد المقاطعة على أساس القرار الفردي العقلاني، وليس على أساس رأي عام غير منتخب، بينما يدّعي ردهما -وإذا لم يدعِ فهو يوحي- أني أتبع سلسلة من المقالات المعادية لحملة المقاطعة، وكأني جزء من حملة مضادة لها.  والصراحة أني لا أنتمي لا لجهة مؤيدة، ولا معادية، بل أعبر عن رأيي الشخصي كما أكدت على ذلك بشكل واضح.

وفي هذا السياق، يكتب الأستاذان إن مقالتي تدعي أن هناك تناقضاً بين ارتباط الفرد الفلسطيني بإسرائيل، ومطالبته في الوقت نفسه بمقاطعتها.  وبلفتة مجازية غريبة، يطرحان الموقف كالتالي: المدخّن الذي يعيش في مكان ملوث بإمكانه التوقف عن التدخين بإرادته الشخصية، ولكن لا يمكنه تغيير مكان سكناه إلا بمجهود جماعي! لكن كيف له أن يقرر أصلاً بأنه يريد تغيير بيئته؟ أليس بالوعي الفردي أولاً وليس بالتبعية؟

ويتابع الأستاذان قولهما إن أهالينا في أراضي الـ48 ليس بإمكانهم مقاطعة الدولة وأجهزتها، بينما ذلك الأمر ممكن بالنسبة لأهل الضفة وغزة والقدس المحتلة.  لا أعرف في أي بقعة من أراضي الــ67 يعيش الأستاذان، ولكن ألم ينتبها للحصار التام المفروض على الأراضي المحتلة وعلى اقتصادها وحياتها اليومية، والسيطرة الإسرائيلية المحكمة عليها؟ وإني إذ أشرت في مقالتي إلى ذلك التناقض، فلكي أنذر من حدوث انفصام فكري محتمل في تفكيرنا وصورتنا عن أنفسنا … ولم أناشد أحداً بالتطبيع، ولم أطالب أحداً بالتبعية كما توحي المقالة.  وإنه لمن المؤسف أن يلجأ الأستاذان، بغياب الدلالات، إلى التعميم عن أوسلو ومشاريع التطبيع وكأن لي أدنى علاقة بها.  أتحداهما أن يدلاّني على مثال واحد يثبت اشتراكي من قريب أو من بعيد باحتفاليات أوسلو، التي لم أقتنع بها كمعاهدة سياسية منذ بدايتها.  ولم أُشر في مقالتي إلى ضرورة “إقناع الرأي الإسرائيلي بحقوقنا”، بل قلت حرفياً إني كنت وما زلت مقتنعاً أننا “كفلسطينيين أخفقنا، إجمالاً، في توجيه خطاباتنا للعدو/الجار بالطريقة الأذكى والأكثر خدمة لقضيتنا العادلة!”، فأيُّ علاقة للحنكة في التعامل مع العدو بالتملق أو الخنوع الذي مارسها بعض الفلسطينيين بُعيد أوسلو؟

أما بالنسبة للقرار الديمقراطي، وضرورة تثبيته مبدأً لكل الممارسات النضالية، وهنا النقطة الأهم والأخطر ربما فيما أثرته، وما لم يتم فهمه من قبل الزملاء الأساتذة: لا ينفي القرار الفردي ضرورة العمل الجماعي، وقد استخدمت الجملة التالية: “… أعتقد أن النضال السياسي يبدأ عند القرار الفردي”، ولم أقل أنه ينتهي عنده! لماذا إثارة ما قد يبدو مجرد ألاعيب كلامية؟ لأني أعتقد أن الفرد الفلسطيني، حسب ملاحظتي المتواضعة والشخصية، يعيش حالة أسر وعجز وهو في أزمة حقيقية في علاقته مع الذين يفترض أن يمثلوه سياسياً ووطنياً.  فنحن نفتقر إلى الكوادر الديمقراطية التي تمثلنا -جميعاً- بشكل حقيقي، وتحكُم بعضَنا حكومتان قد نفَذَت مدة حكمهما القانونية منذ سنين، وأمستا تفرضان على “مواطنيها” قوانين وإجراءات لم يكن لهم دور في صياغتها، وليس لهم القدرة على تغييرها.  أما نحن الفلسطينيون في الخارج، فلم يعد يمثلنا أحد منذ تهميش المجلس الوطني الذي لم يكن أصلاً يمثلنا سوى بالشكل الملائم للفصائل السياسية، ولاسيما أقواها حركة “فتح”.  وأود الإشارة هنا إلى مقالة الدكتور أسامة خليل الأخيرة في موقع “الشبكة” الإلكتروني عن سوء الاستخدام الذي تعرضت له الكوادر الشرعية الفلسطينية من قبل قياداتها، وضرورة صياغة مفاهيم وسبل وكوادر قانونية جديدة لتحويل الإرادة الشعبية إلى قوى ذات شرعية ديمقراطية حقيقية.  والجدير بالذكر هنا، أن حركة المقاطعة، رغم التأييد العاطفي والمبدئي لها، بما في ذلك تأييدي أنا، تشوبها مشكلتان أساسيتان.  أولاهما؛ أنها ليست إستراتيجيةً كما تدعي، بل هي تكتيك ينجح أحياناً ويفشل مراراً أخرى، وهي لا تقدم مشروعاً واضحاً وبنّاءً، بل سلسلة إجراءات تعطيلية لا يمكن أن تشكل بديلاً حقيقياً لمشروع وطني غائب.  وثانيتهماً، أنها، كما كوادر منظمة التحرير سابقاً، وبحكم أنها غير منتخبة، لا يمكن أن تتمتع بشرعية ديمقراطية حقيقية إلا إذا انصهرت في إطار ديمقراطي منتخب.  لا يعني ذلك أن نتوقف عن ممارسة المقاطعة، بل أن نكون واعين لمحدوديتها ومخاطرها، من حيث تأثيرها على حرية التعبير وعلى علاقتها بالواقع السياسي المتأزم، الذي يتطلب أكثر بكثير من حملة مقاطعة، مهما كان التأييد الذي تتمتع به.

ومن هذا المنطلق، كنت قد استهجنت في مقالتي أن “الحملة” تضع معايير وقوانين، بغض النظر عما إذا كانت تلك القوانين مُنصفة أم لا.  استغربت أيضاً أن كاتباً -مهما كانت نواياه أو مسموعاته أو “وطنيته” كالأخ محمد القاسمي- يحتاج إلى التواصل مع مجموعة غير منتخبة، وإلى الذهاب لتقديم الطاعة لها كأنها قيّمة على حسن سلوكنا الثقافي.  ولا يكفي أن يدّعي الأستاذان أن الحركة لا تعتبر نفسها وصية على وطنية أحد، إذ أن إصدار أية معايير تعني أن الذي يصدرها يتوقع التزام الغير بها، وإلا لماذا يصدرها أصلاً؟

والحق يقال إنني أخطأت في مقالتي عندما لم أوضح، لضيق المساحة، التباين في الظروف التي أحاطت بالحالات الخمس التي أثرتها، والتي تختلف بعضها عن بعض في التفاصيل.  فطبعاً تختلف حالة إبراهيم نصر الله عن حالتي دانيال بارنباوم أو محمود درويش، وحالة محمد القاسمي عن حالة ندين جورديمر! لكن المهم في الموضوع هو الحق الذي تعطيه لنفسها أي جهة كانت -كما هيئات الرقابة في الدول الدكتاتورية- بالحكم المسبق على من يتبع “معاييرها” أو يخالفها، دون أن يتسنى للمواطن أن يأخذ قراره بنفسه.  فهل كانت ستخسر الحركة الوطنية الفلسطينية شيئاً لو أتى المايسترو بارنباوم إلى رام الله، وتمت مواجهته في ندوة صحافية عن مواقفه حيال اجتياح غزة؟ هل كنا سنتنازل عن مبادئنا الوطنية لو دعونا ندين جورديمر لزيارة الأراضي المحتلة، حيث كانت سترى بعينها طبيعة الاحتلال، وربما تغير رأيها فتكتب عما تراه؟ لا أعتقد.  أما الذي حصل، ومع الأسف، في تلك الحالتين، لم يقدم ولم يؤخر كثيراً، بل زاد من تقوقعنا الثقافي وحالة الحصار الذهني التي أخشى أنها تتعمق باطّراد، يوماً بعد يوم.

أخيراً، أود أن أعبر عن خشيتي من التالي: يتكلم الأستاذان عن تشجيع “ثقافة المقاطعة” في صفوف شعبنا.  ورداً على هذه الجملة المقلقة، أحثهما على التساؤل عما إذا كان دور المثقف تشجيع أو تلقين “ثقافات” سلبية “مُقاطعة”، أم أنه من الأفضل بكثير تشجيع مجتمعنا، ولاسيما الشباب فيه، على اعتناق توجهات حرة، مستقلة، ديمقراطية، منفتحة على نفسها وعلى الآخرين، ناقدة وواعية ولا تخشى التعامل مع أحد، عدواً كان أم صديقاً؟

عمر القطان

سينمائي وأمين سر مؤسسة عبد المحسن القطان

لا يمثل هذا المقال سوى رأيي الشخصي

 

Advertisements

عمر القطان1*

منذ انتهاء الانتفاضة الثانية، يبدو أن هناك نوعاً من التوافق، فيما يسمى المجتمع المدني الفلسطيني، على مقاطعة كل المؤسسات الأكاديميّة والثقافيّة الإسرائيليّة، وعلى حثِّ مناصري الشعب الفلسطيني في العالم على دعمه، من خلال المقاطعة التّامة لكل المنتجات الإسرائيلية، لاسيما تلك المصنوعة في المستوطنات، وحثِّ الأكاديميين والمثقفين والفنانين على عدم المشاركة في نشاطات أو عروض في إسرائيل ومع إسرائيليين، كذلك مقاطعة الفنانين والأكاديميين الإسرائيليين في الخارج.
إنني أشاطر ذلك الموقف، على الرغم من أنني أرى التناقضات الكامنة فيه، حيث إننا، في فلسطين المحتلة، مجتمع رهين للاحتلال، وترتبط أواصره بالمجتمع الإسرائيلي واقتصاده وجهاز دولته ارتباطاً مباشراً ويومياً وعميقاً.

إضافة إلى ذلك، أقول “يبدو” أن هناك توافقاً في داخل المجتمع المدني، لأن تعريف معنى هذا المصطلح ليس بالأمر السهل أصلاً. فحملة المقاطعة والمؤازرة (PACBI) ورديفتها الدولية (BDS)، على الرغم من اختلافهما، تشكلان غالباً تكتلاً من المؤسسات والهيئات الأهلية والنقابات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. والمشكلة أنهما، على الرغم من نجاحهما النسبي في استقطاب الدعم على المستوى الدولي في تصعيد حركة المقاطعة، تبقيان حركتين غير منتخبتين، مؤلفتين من تكتّلات ومؤسسات بعضها يتسم بالديمقراطية، وبعضها سليل منظمة التحرير وتوازناتها الفئوية التاريخية، فلذلك من الصعب معرفة المدى الحقيقي لدعم الرأي العام الفلسطيني لهاتين الحركتين، سوى على المستوى العاطفي.

لنكن واضحين: لا أقبل أنا شخصياً التعامل مع أي جهة إسرائيلية رسمية أو غير رسمية تتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، لا على الصعيد المهني، ولا على الصعيد الشخصي، إلا إذا اضطررت لذلك، مثلاً لعبور الحدود الدولية إلى فلسطين المحتلة. والمهم بالنسبة لي في هذه الجملة الأخيرة، هو أن هذا موقفي أنا، وهو موقف سياسي فردي، توصلت إليه خلال خبرة مهنية وحياتية تزيد على خمسة وعشرين عاماً من الانخراط في مجال العمل الثقافي العربي والفلسطيني. قول “موقفاً” وليس “مبدأً”؛ لأنزع عنه الصفة الأخلاقية والقدسية المطلقة التي يتسم بها مصطلح “المبادئ”، في بلادنا على الأقل. وأقول “فردي”؛ لأنني أعتقد أن النضال السياسي يبدأ عند القرار الفردي العقلاني، وهو لذلك قابل للشك والتغير كما كل عملية عقلانية، وقابل أيضاً للخطأ ولمحاسبة الذات، فأنا، مثلاً، قبلت في العام 2004 أن أعرض فيلماً من إخراجي (وهو فيلم عن النكبة وحق العودة) في مهرجان حيفا الدولي، على أمل إطلاق نوع من الحوار مع الجمهور الإسرائيلي، وندمت فيما بعد لأنني اكتشفت سذاجة موقفي. لكنني لم أندم على محاولتي، فكنت وما زلت أعتقد أننا كفلسطينيين قد أخفقنا، إجمالاً، في توجيه خطاباتنا للعدو/الجار بالطريقة الأذكى والأكثر خدمة لقضيتنا العادلة.

إضافةً إلى ذلك، هناك فارق كبير بين الكره العاطفي والرفض المبدئي لكل شيء يمت للاحتلال وللصهيونية بصلة؛ أي بين ردود الفعل العاطفية التي من الصعب نقدها، وبخاصة أمام احتلال بشع وإجرامي من جهة، ومن جهة أخرى الموقف السياسي العقلاني الذي يؤخذ بغرض دعم ـ وإنجاح ـ إستراتيجية سياسية معيّنة لها أهداف واضحة، إما تتحقق، وإما تفشل، وعلى ذلك الأساس يقرر المواطن أو المواطنة دعمها من عدمه.

إن السبب الرئيس في إثارة هذه القضية اليوم، يعود إلى حادثة مؤسفة وقعت، مؤخراً، وأثارت تخوفي من أن تتحول المقاطعة ـ إذا لم تكن قد تحوّلت بعد ـ إلى قطيعة مع الذات ومع العالم، وإلى أداة قمع تزيد من انغلاق المجتمع الفلسطيني على ذاته، وتعزز إحساسه بالعجز والفشل، وتعمّق الخلافات والتناقضات التي لم تنفك تضعف حواره الوطني.

فقد كان مؤخراً الكاتب المسرحي الجزائري الفرنسي محمد القاسمي مدعواً لتقديم ورشة عمل مع كتّاب شباب فلسطينيين، بمبادرة من مؤسسة محلية، وبالشراكة مع مؤسسة عبد المحسن القطَّان، والمسرح الملكي الفلمنكي في بلجيكا، وقد تراجعت تلك المؤسسة المبادِرة عن دعوته في اللحظة الأخيرة قبل قدومه، بعد أن تعرَّضت للضغط من أشخاص يعيبونها على استقبال هذا الكاتب، لأنه كان قد شارك في نشاطين ثقافيين إسرائيليين قبل بضع سنوات. وقد أشارت تلك المؤسسةُ إلى “قوانين” حملة المقاطعة (PACBI‪/‬BDS) كسببٍ رئيسٍ في قرارها إلغاء دعوته. وليس هذا المكان الأنسب للدفاع عن محمد القاسمي الذي يتمتع بباع طويل من العمل المؤازر لفلسطين، فأترك له ذلك، بل أود أن أثير التساؤل هنا حول هذه “القوانين” والمبادئ والقرارات التي تؤدي إلى تخوين أفراد وجهات معينة، والتهجم عليهم بالألفاظ العنيفة التي أرى أنها بطبيعتها غير ديمقراطية، وفيها من التهديد والوعيد، العلني منه والمبطن، الذي لا يختلف كثيراً، بصراحة، عن فتاوى بعض رجال الدين الظلاميين (غير المنتخبين هم أيضاً)، الذين يوزعون فتاواهم بالقتل وهدر الدماء كأنها حلاوة العيد!!

إن الموقف السياسي أو الأخلاقي أو الديني، إنما هو موقف فردي لا يحق لأي جماعة كانت أن تفرضه على المجتمع ككل، على غرار الأنظمة الفاشية الاستبدادية، فمثل ذلك الفرض، هو بمثابة عمليّة رقابية غير ديمقراطية تُنفذ دون مرجع قانوني، ولا يمثُل لها أحد سوى لسببين: أولهما، هو الخوف من قوة (وعنف) الجماعة، وهي قوة غامضة لا نعرف لها مصدرا ولا رادعا. وثانيهما، هو الإحساس (اللاعقلاني والُمطمْئِن) بالانتماء للرأي العام الذي هو، بحد ذاته، مجردٌ ومجهولُ الهوية. والنتيجة هي مواقف مخزية كهذه: أن كاتباً عربياً مرموقاً مناصراً للقضية الفلسطينية، ولديه ما يقدمه من خبرة مهنية لكتابنا الشباب، يهان بهذا الشكل، كما تمت إهانة أشخاص مرموقين آخرين في الماضي؛ مثل الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والموسيقار العالمي الإسرائيلي الفلسطيني دانيال بارنباوم، والكاتبة الجنوب إفريقية ندين جورديمر، على سبيل المثال لا الحصر. وإذا كان الأمر يحتاج إلى المزيد من الرموز الوطنية، أشير هنا إلى زيارة المرحوم محمود درويش، والأمسية الشعرية التي أحياها أمام الجماهير في حيفا في صيف 2007، على الرغم من انتقادات بعض المقاطعين.

إذا كنا غير متفقين مع مواقف محمد القاسمي، وإبراهيم نصر الله، ودانيال بارنباوم، ونادين جورديمر، فبأيِّ حق نقصيهم عن التحاور مع المواطنين الفلسطينيين؟ فلدى المواطن القدرة ـ والحق ـ على الاطّلاع على تلك المواقف ومشاطرتها أو رفضها. بأيِّ منطق نعمّق انعزال المجتمع الفلسطيني المحاصر عن العالم ونخلق القطيعة معه؟ أين روح الضيافة والانفتاح؟ وأين أخلاق الحوار الحضاري مع الآخرين؟ ثم لماذا تلك الطوباوية التي تقول للفلسطيني إنه بطل “مقاطع” لا يجوز أن يستمع لهذا الكاتب أو تلك الشخصية، مع العلم أنه سينهض في الصباح التالي بحثاً عن عمل في اقتصاد العدو، ومشترياً بضاعته، بل وخاضعاً لنظام حكمه؟

أعتقد أنه حان الوقت لإعادة النظر في كيفية التعامل مع موضوع المقاطعة لإسرائيل، والإصرار على أن قرار المقاطعة هو قرار فردي وليس جماعياً، لا يحق لأي جهة كانت أن تأخذه نيابة عن المواطن. وعندما تبلور القوى السياسية المحلية والعربية سياسات واضحة تجاه المقاطعة، تكون قابلة للتنفيذ، وغير مشحونة بالتناقضات والبطولية الكلامية الفارغة، عندئذٍ يقرر المواطن دعمها أو عدمه، من خلال صناديق الاقتراع، وليس بسبب “اتّفاق” جماعي غير ديمقراطي تأخذه نيابة عنه جهات غير منتخبة، بصرف النظر عن حسن نيتها. وإلا ظلت مواقفنا من هذا الموضوع رهينة آراء جماعية غامضة، لا يمكننا محاسبتها ولا قياس جدواها، تؤذي علاقتنا مع الآخرين، وتُبقينا سجناء لدوامات فكرية لا تقدمنا، بل قد تؤخرنا.

1* سينمائي، وأمين سر مؤسسة عبد المحسن القطَّان. لا تعبر هذه المقالة سوى عن رأيي الشخصي، وليس عن رأي مؤسسة عبد المحسن القطَّان.

Otherwise Occupied

Otherwise Occupied (Guardian Review, March 5 2011)

Ian McEwan (“In place of concrete”, 26 February) seems to suggest that we should give Israel star points for moral questioning, even while it continues to commit war crimes. He refers to the Jerusalem prize, which he accepted despite the pleas of his admirers and colleagues, as a “tribute to a precious tradition of democracy of ideas in Israel”, giving the example of a novella about the destruction of a Palestinian village that was required reading in Israeli schools. He fails to mention, however, that while this precious tradition was maintained, so were the expulsions, military rule, house demolitions, confiscation of land and homes, bombing of refugee camps and so on. He then conjures the amazing number of patents Israel registers and its scientific breakthroughs, but seems unaware that this is no miracle at all. It is the least one would expect from 3 billion dollars in US military aid every year; hundreds of Soviet-trained scientists, privileged access to the west’s university research communities and venture capital funds . . . This is no “tradition” – it is the result of a highly rational colonial project. McEwan should at least have had the decency to compare the astonishing achievements of Palestinian artists who have moved the world with their work, with a fraction of the support available to their Israeli counterparts.

Above all, though, McEwan makes a very lame argument about the struggle of (mostly Israeli) creativity with “nihilism”. It seems that this nihilism is something both Hamas and Israel are guilty of, though we are not really sure what it entails. And here is the fundamental problem: Hamas may indeed be guilty of rash and “nihilistic” behaviour so common among the weak and oppressed (which I utterly condemn), but can the extraordinarily well planned, funded and defended Israeli plans to colonise what remains of historic Palestine be described as nihilistic? Illegal, criminal, the last gasp of a colonial overreach yes, but surely not nihilistic. If only McEwan had the intellectual honesty not to tiptoe around the issue and called a spade a spade, then perhaps he could have made a little difference in the fight against the Israeli occupation, the only cause of this conflict, rather than contributing to the Israeli establishment’s illusions about itself, writers, scientists, generals et al.

Omar Al-Qattan

(This is McEwan’s original piece, published in last week’s review: http://www.guardian.co.uk/books/2011/feb/24/ian-mcewan-jerusalem-prize-speech)

Trial

This is my first adventure on blogosphere 🙂

Hello world!

Welcome to WordPress.com. This is your first post. Edit or delete it and start blogging!